محمد بن جرير الطبري

20

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

جريج ، قوله : وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ التي لا يفينها شيء ، فأكون إنما أدعوكم لتتبعوني عليها لأعطيكم منها . وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ نزلت من السماء برسالة ، ما أنا إلا بشر مثلكم . وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ ولا أقول اتبعوني على علم الغيب القول في تأويل قوله تعالى : قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ يقول تعالى ذكره : قال قوم نوح لنوح عليه السلام : قد خاصمتنا فأكثرت خصومتنا فأتنا بما تعدنا من العذاب إن كنت من الصادقين في عداتك ودعواك أنك لله رسول . يعني بذلك أنه لن يقدر على شيء من ذلك . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : جادَلْتَنا قال : ماريتنا حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله . وحدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الله بن أبي جعفر ، عن ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : قال مجاهد : قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا قال : ماريتنا ، فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا قال ابن جريج : تكذيبا بالعذاب ، وأنه باطل . القول في تأويل قوله تعالى : قالَ إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شاءَ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي يقول تعالى ذكره : قال نوح لقومه حين استعجلوه العذاب : يا قوم ليس الذي تستعجلون من العذاب إلي ، إنما ذلك إلى الله لا إلى غيره ، هو الذي يأتيكم به إن شاء . وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ يقول : ولستم إذا أراد تعذيبكم بمعجزيه : أي بفائتيه هربا منه ؛ لأنكم حيث كنتم في ملكه وسلطانه وقدرته حكمه عليكم جار . وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي يقول : ولا ينفعكم تحذيري عقوبته ونزول سطوته بكم على كفركم به ، إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ في تحذيري إياكم ذلك ؛ لأن نصحي لا ينفعكم لأنكم لا تقبلونه . إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ يقول : إن كان الله يريد أن يهلككم بعذابه . هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ يقول : وإليه تردون بعد الهلاك . حكي عن طيئ أنها تقول : أصبح فلان غاويا : أي مريضا . وحكي عن غيرهم سماعا منهم : أغويت فلانا ، بمعنى أهلكته ، وغوي الفصيل : إذا فقد اللبن فمات . وذكر أن قول الله : فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا أي هلاكا . القول في تأويل قوله تعالى : أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ يقول تعالى ذكره : أيقول يا محمد هؤلاء المشركون من قومك : افترى محمد هذا القرآن ؟ وهذا الخبر عن نوح . قل لهم : إن افتريته فتخرصته واختلقته فَعَلَيَّ إِجْرامِي يقول : فعلي إثمي في افترائي ما افتريت على ربي دونكم ، لا تؤاخذون بذنبي ولا إثمي ولا أؤاخذ بذنبكم . وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ يقول : وأنا بريء مما تذنبون وتأثمون بربكم من افترائكم عليه ويقال منه : أجرمت إجراما وجرمت أجرم جرما ، كما قال الشاعر : طريد عشيرة ورهين ذنب * بما جرمت يدي وجنى لساني القول في تأويل قوله تعالى : وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ يقول تعالى ذكره : وأوحى الله إِلى نُوحٍ لما حق على قومه القول ، وأظلهم أمر الله ، أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ يا نوح بالله فيوحده ويتبعك على ما تدعوه إليه مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فصدق بذلك واتبعك . فَلا تَبْتَئِسْ يقول : فلا تستكن ولا تحزن بما كانوا يفعلون ، فإني مهلكهم ومنقذك منهم ومن اتبعك . وأوحى الله ذلك إليه بعد ما دعا عليهم نوح بالهلاك ، فقال : رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً تبتئس وهو تفتعل من البؤس ، يقال : ابتأس فلان بالأمر يبتئس ابتئاسا ، كما قال لبيد بن ربيعة : في مأتم كنعاج صا * رة يبتئسن بما لقينا وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح